السيد محمد الصدر
74
منة المنان في الدفاع عن القرآن
لمصلحة كيان الفرد في الدنيا والآخرة . فإن حصل هناك تناف بين المصلحتين اختار اللّه الأهم في الحكمة ، وهو في الأغلب مصلحة الآخرة ، وإن تخلفت مصالح الدنيا . فليس في أفعال اللّه سبحانه شر ، ولا يصح الاستعاذة منها . لأن الخلاص منها يوقع الفرد على خلاف الحكمة . بخلاف شَرِّ ما خَلَقَ فإنه موجود ويمكن الاستعاذة منه . ولذا يدعو بعضنا : كفانا اللّه شرّ بني آدم . قوله تعالى وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ . قال الراغب « 1 » : غسق الليل شدة ظلمته . والغاسق الليل المظلم . أقول : حسب فهمي ، فإن الغاسق أول الليل ، لأنه الفاعل للظلمة الشديدة . وذلك فيما إذا ذهب الشفق أي الحمرة المغربية ، وتمّ الظلام . وقال الراغب « 2 » : الوقب كالنقرة في الشيء . ووقب إذا دخل في وقب . أقول : يعني : إذا دخل في النقرة أو الثقب . ويستعمله الفقهاء في اللواط . وعن المرأة يعبرون بالدخول حتى لو كان دبرا . سؤال : إن قوله : مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ، استعاذة عامة و : مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ . . . إلخ استعاذة خاصة . ألا تكفي الاستعاذة العامة عن الاستعاذة الخاصة ؟ جوابه : إن في عطف الخاص على العام حكما عديدة نذكر منها : أولا : ما ذكره صاحب الميزان من أنه « 3 » : لزيادة الاهتمام . وقد اهتم في السورة بثلاثة من أنواع الشر خاصة : هي شدّة الليل إذا دخل وشرّ سحر السحرة وشر الحاسد إذا حسد . لغلبة الغفلة فيهن . ثانيا : لأن هذه الثلاثة أشد الشرور المتصورة عادة .
--> ( 1 ) المفردات : مادة ( غسق ) . ( 2 ) المفردات : مادة ( وق ) . ( 3 ) الميزان ج 20 ص 393 .